الفحم في المملكة المتحدة 2026: من قلب الثورة الصناعية إلى عصر بلا فحم
أنت لا تقرأ عن وقودٍ اندثر، بل عن قرارٍ غيّر قواعد اللعبة. حتى عام 2012، كان الفحم يضيء نحو 40٪ من كهرباء بريطانيا. في 2026، النسبة صفر. لم يختفِ الفحم صدفة، بل أُخرج من المشهد بقرار سياسي واقتصادي حاسم.
ما جرى لم يكن انتقالًا ناعمًا، بل تفكيكًا متعمّدًا لقطاعٍ شكّل قلب الثورة الصناعية لأكثر من قرن. كيف حدث ذلك؟ ولماذا نجحت بريطانيا حيث تعثّر غيرها؟ هنا تبدأ القصة.

لحظة التحوّل: متى انتهى الفحم فعليًا في بريطانيا؟
في 30 سبتمبر 2024، أُغلِقت محطة راتكليف-أون-سور في نوتنغهامشير — آخر محطة كهرباء تعمل بالفحم في المملكة المتحدة. منذ 1 أكتوبر 2024، أصبحت بريطانيا أول دولة في مجموعة السبع تولّد كهرباء دون فحم نهائيًا.
عام 2025 كان أول عام كامل بلا فحم في الشبكة الكهربائية. وفي 2026، أصبح ذلك واقعًا مستقرًا، لا إجراءً مؤقتًا.
الفجوة التي لا ينتبه لها أحد: الفحم لم يُستبدل بالغاز
الافتراض الشائع: «الفحم خرج، الغاز دخل». لكن الأرقام تقول غير ذلك.
بين 2012 و2025، تم تعويض الفحم أساسًا بـ:
- الرياح: تمثل قرابة 30٪ من الكهرباء في 2025
- الطاقة الشمسية: ارتفعت إلى نحو 6–7٪
- الكتلة الحيوية والطاقة الكهرومائية: قرابة 8٪ مجتمعة
الغاز الطبيعي لا يزال حاضرًا (نحو 27–31٪ في 2025)، لكنه لم يكن البديل الرئيسي للفحم. هذا ما يجعل التجربة البريطانية مختلفة عالميًا.

ماذا عن التعدين؟ الحقيقة الصادمة في 2026
اعتبارًا من مارس 2025، تم إلغاء مشروع منجم وودهاوس في كمبريا رسميًا بعد حكم قضائي اعتبر أن الموافقة السابقة تجاهلت الانبعاثات المناخية. كان هذا المشروع سيصبح أول منجم فحم عميق جديد منذ أكثر من 30 عامًا — لكنه لم يرَ النور.
في 2026، يمكن القول بدقة:
- ❌ لا توجد مناجم فحم حراري عاملة
- ❌ لا توجد محطات كهرباء تعمل بالفحم
- ✅ الفحم المستخدم في بريطانيا يقتصر على استيراد محدود لصناعة الصلب
التكلفة الاقتصادية: من خسر ومن ربح؟
في ذروته، وظّف قطاع الفحم أكثر من مليون شخص. في 2026؟ أقل من 5,000 وظيفة مباشرة مرتبطة به، معظمها لوجستية أو صناعية غير كهربائية.
لكن الصورة لا تكتمل دون ذكر المقابل:
- أكثر من 70,000 وظيفة في طاقة الرياح البحرية
- استثمارات طاقة متجددة تتجاوز £40 مليار بين 2020 و2025
- انخفاض انبعاثات قطاع الكهرباء بنسبة 74٪ مقارنة بـ2012

البيئة والصحة: المكسب الصامت
إغلاق الفحم لم يكن مجرد قرار مناخي، بل صحي أيضًا. منذ 2012:
- انخفاض كبير في ثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين
- تراجع حالات الربو وأمراض الجهاز التنفسي قرب المحطات القديمة
- تحسن جودة الهواء في مدن صناعية تاريخية مثل شيفيلد ونوتنغهام
هل انتهت القصة؟ ليس تمامًا
السؤال الحقيقي في 2026 ليس «هل انتهى الفحم؟» — بل:
هل تستطيع بريطانيا الحفاظ على شبكة كهرباء مستقرة بلا فحم، وباعتماد أقل على الغاز؟
المرحلة القادمة تدور حول التخزين، الشبكات الذكية، والطاقة النووية الجديدة. الفحم خرج من المسرح، لكن الفراغ الذي تركه لا يزال يُدار بحذر.
الخلاصة: الفحم لم يمت… بل أُغلق ملفه
الفحم هو الوقود الذي بنى بريطانيا الحديثة، ثم أصبح الوقود الذي قررت بريطانيا التخلي عنه أولًا. ما حدث لم يكن صدفة، بل نتيجة سياسة طويلة المدى، أرقام واضحة، وقرار بتحمّل الألم قصير الأجل مقابل مكسب طويل الأجل.
عندما تنظر اليوم إلى أبراج التبريد الصامتة، لا تراها كأطلال… بل كعلامات نهاية فصل — وبداية آخر أكثر تعقيدًا.

