دور الرياضة في المملكة المتحدة: كيف أصبحت قوة ناعمة عالمية في 2026

هل ما زالت الرياضة في المملكة المتحدة مجرد مباريات نهاية الأسبوع؟ أم أنها تحولت إلى شيء أعمق: لغة نفوذ تُقرأ في العواصم قبل الملاعب، وتُسمع أصداؤها أبعد من المدرجات؟

في 2026، كيف أصبحت كرة القدم والتنس والكريكيت أدوات تأثير عالمي، تصنع اقتصادًا وتبني علاقات وتعيد رسم صورة بريطانيا؟ للإجابة، نحتاج أن ننظر إلى ما وراء النتيجة… وإلى جوهر القوة الناعمة.

مشهد يعبر عن تنوع الرياضة في المملكة المتحدة من كرة القدم إلى التنس والكريكيت

من أين بدأ كل هذا؟ التكوين الحقيقي للرياضة البريطانية

في أواخر القرن التاسع عشر، لم تكن الرياضة في الإمبراطورية البريطانية وسيلة ترفيه بريئة. كانت أداة تنظيم، وانضباط، وبناء هوية. القواعد لم تُكتب فقط لتنظيم اللعب، بل لتنظيم البشر.

الكريكيت علّم الصبر والالتزام. الرجبي رسّخ التضحية والعمل الجماعي. سباقات الخيول جمعت الأرستقراطي والعامل في مكان واحد. لم يكن هذا صدفة، بل تصميم اجتماعي دقيق.

في المستعمرات، لعبت الرياضة دور الجسر. جسر بين الجنود والسكان المحليين، بين النخب والإداريين، وبين الانتماء البريطاني والواقع المحلي. كانت الملاعب أماكن تفاوض غير معلن على معنى “أن تكون بريطانيًا”.

الرياضة في المملكة المتحدة اليوم: ماذا تغير في 2026؟

اليوم، تغيّر الشكل… لكن الجوهر بقي. الرياضة ما زالت أداة تأثير، لكن بوسائل أكثر ذكاءً وأقل صخبًا.

الدوري الإنجليزي الممتاز، على سبيل المثال، يُبث إلى أكثر من 188 دولة، ويصل إلى ما يقارب 800 مليون منزل. في موسم 2025–2026 وحده، تجاوز متوسط الحضور الجماهيري 41,000 متفرج في المباراة الواحدة، بإجمالي حضور يفوق 15 مليون مشجع داخل الملاعب.

لكن الرقم الأخطر ليس عدد المشاهدين… بل عدد المتأثرين ثقافيًا. عندما يشاهد شاب في آسيا أو إفريقيا مباراة في الدوري الإنجليزي، فهو لا يرى كرة قدم فقط، بل يرى مدنًا، ولهجات، وأسلوب حياة، وقيم منافسة.

الدولة تدخل الملعب: الاستثمار الرسمي في الرياضة

في عام 2025–2026، خصصت الحكومة البريطانية أكثر من £320 مليون لدعم الرياضة المدرسية فقط ضمن برنامج Primary PE and Sport Premium. المدارس الابتدائية التي تضم أكثر من 17 طالبًا مؤهلًا تحصل على £16,000 سنويًا، إضافة إلى £10 عن كل تلميذ.

أما على مستوى النخبة، فقد استثمرت UK Sport أكثر من £255 مليون في دورة الإعداد لأولمبياد لوس أنجلوس 2028، تشمل ألعابًا تقليدية وأخرى جديدة مثل التسلق الرياضي وركوب الأمواج.

الرسالة واضحة: الرياضة ليست هواية جانبية في السياسات البريطانية، بل بند استراتيجي طويل الأمد.

لندن 2012 لم تنتهِ… بل بدأت

يعتقد كثيرون أن أولمبياد لندن 2012 أصبحت ذكرى جميلة. الحقيقة؟ آثارها ما زالت تتوسع.

بعد أكثر من عقد، تشير تقارير BBC وLondon Sport إلى أن الألعاب غيّرت نظرة العالم إلى المملكة المتحدة كدولة منفتحة، مبدعة، وقادرة على تنظيم أحداث عالمية معقدة. كما ساهمت البارالمبياد في إعادة تعريف صورة ذوي الإعاقة عالميًا، ليس كفئة محتاجة، بل كرياضيين نخبة.

هذا التأثير غير المباشر – ما يُعرف بالقوة الناعمة – يُقدّر اليوم بمليارات الجنيهات من حيث السمعة، والاستثمار، والسياحة.

الرياضة كقوة ناعمة: التأثير خارج الحدود

عندما تطلق المملكة المتحدة برامج مثل Try Rugby أو مبادرات كرة القدم المجتمعية عبر المجلس الثقافي البريطاني، فهي لا تصدّر لعبة، بل تصدّر نموذجًا.

في أكثر من 25 دولة، استفاد ما يزيد عن نصف مليون شاب من هذه البرامج خلال أقل من عقد. النتائج لم تكن رياضية فقط، بل تعليمية واجتماعية: تحسين الصحة، تقليل العنف، تعزيز مشاركة الفتيات، وبناء شعور بالانتماء.

وهنا المفارقة: كثير من هؤلاء الشباب قد لا يزورون لندن أبدًا، لكنهم يحملون صورة إيجابية عنها مدى الحياة.

ما الذي لا ننتبه إليه؟

الفجوة الحقيقية ليست بين من يحب الرياضة ومن لا يحبها. الفجوة بين من يراها مباراة… ومن يراها نظام تأثير.

المملكة المتحدة فهمت مبكرًا أن من يكتب القواعد، لا يفوز دائمًا بالمباريات فقط، بل يحدد شكل اللعبة عالميًا.

الخلاصة التي تغيّر النظرة

في البداية، قلنا إن الرياضة في المملكة المتحدة ليست مجرد ترفيه. الآن تعرف لماذا.

في 2026، الرياضة البريطانية هي مزيج من تاريخ، واستثمار ذكي، وقوة ناعمة، ونفوذ هادئ. والسؤال لم يعد: لماذا تهتم المملكة المتحدة بالرياضة؟

السؤال الحقيقي هو: من التالي الذي سيتعلم كيف يلعب هذه اللعبة بنفس الذكاء؟

موضوعات ذات صلة